ابراهيم اسماعيل الشهركاني
410
المفيد في شرح أصول الفقه
غير إن إطباقهم على القول بالإجزاء ليس مستندا إلى دعوى : أن البديهية العقلية تقضي به ، لأنه هنا يمكن تصور عدم الإجزاء بلا محذور عقلي ، أعني : يمكننا أن نتصور عدم الملازمة بين الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري وبين الإجزاء به عن الأمر الواقعي الاختياري . توضيح ذلك : إنه لا إشكال في أن المأتي به في حال الاضطرار أنقص من المأمور به حال الاختيار ، والقول بالإجزاء فيه معناه : كفاية الناقص عن الكامل مع فرض حصول التمكن من أداء الكامل في الوقت أو خارجه . ولا شك في : إن العقل لا يرى بأسا بالأمر بالفعل ثانيا بعد زوال الضرورة ، تحصيلا للكامل الذي قد فات منه . بل قد يلزم العقل بذلك إذا كان في الكامل مصلحة ملزمة لا يفي بها الناقص ولا يسد مسد الكامل في تحصيلها . والمقصود الذي نريد أن نقوله بصريح العبارة : ( إن الإتيان بالناقص ليس بالنظرة الأولى مما يقتضي عقلا الإجزاء عن الكامل ) . فلا بد أن يكون ذهاب الفقهاء إلى الإجزاء لسر هناك : إما لوجود ملازمة بين الإتيان بالناقص وبين الإجزاء عن الكامل ، وإما لغير ذلك من الأسباب . فيجب أن نتبين ذلك ، فنقول : هناك وجوه أربعة تصلح أن تكون كلها أو بعضها مستندا للقول بالإجزاء نذكرها كلها : 1 - إنه من المعلوم أن الأحكام الواردة في حال الاضطرار واردة للتخفيف على المكلفين والتوسعة عليهم في تحصيل مصالح التكاليف الأصلية الأولية : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . وليس من شأن التخفيف والتوسعة أن يكلفهم ثانيا بالقضاء أو الأداء ، وإن كان الناقص لا يسد مسد الكامل في تحصيل مصلحته الملزمة . 2 - إن أكثر الأدلة الواردة في التكاليف الاضطرارية مطلقة مثل قوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ، أي : أن ظاهرها بمقتضى الإطلاق ( 1 ) :